محمد جواد مغنية

18

التفسير الكاشف

والعدة والعدد ، ومع ذلك خذلهم اللَّه ، ونصر موسى وقومه ، ولا مال لهم ولا عدة ولا عدد ، كما نصر من قبل نوحا على قومه ، وإبراهيم على النمرود ، وهودا على عاد ، وصالحا على ثمود . . فالكثرة والثروة - إذن - ليستا بضمان ولا أمان ، وعليه فالذين كذبوا محمدا ( ص ) معرّضون لنفس المصير . ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ الْمِهادُ ) . جاء في مجمع البيان ان اللَّه سبحانه لما نصر نبيّه ببدر قدم المدينة ، وجمع اليهود ، وقال لهم : احذروا من اللَّه أن يصيبكم ما أصاب قريشا ببدر ، وأسلموا . . فقالوا : لا يغرنك انك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، ولو قاتلناك لعرفت أنّا نحن الناس ، فأنزل اللَّه سبحانه هذه الآية . وقد صدق اللَّه وعده ، فقتل المسلمون بني قريظة الخائنين ، وأجلوا بني النضير المنافقين ، وفتحوا خيبر ، وضربوا الجزية على من عداهم من اليهود . ( قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصارِ ) . وعظ اللَّه بهذه الآية اليهود والنصارى والمسلمين وأولي الأبصار أجمعين ، وعظهم بوقعة بدر ، حيث التقى حزب الرحمن ، وهم محمد وأصحابه ، مع حزب الشيطان ، وهم أبو سفيان وأذنابه ، ومكان العظة في هذه الواقعة ان حزب الشيطان كانوا أكثر من ألف مدججين بالسلاح الكافي الوافي ، وكان حزب الرحمن بمقدار ثلثهم عددا ، لا يملكون من العدة إلا فرسين ، وسبعة أدرع ، وثمانية سيوف ، ومع ذلك كتب اللَّه النصر للفئة القليلة على الفئة الكثيرة ، وأرى اللَّه المشركين ان المسلمين مثليهم مع قلة عددهم ، وهذه الآية نظير الآية 44 من سورة الأنفال : « وإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ويُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ » . وأمر اللَّه سبحانه هو أن يتخاذل المشركون ، ويهابوا المسلمين ، وينصرهم اللَّه على أعدائه . وبهذه المناسبة نذكر نصيحة الإمام علي ( ع ) للخليفة الثاني حين استشاره في غزو الروم بنفسه ، قال الإمام : « الذي نصر المسلمين ، وهم قليل لا ينتصرون ، ومنعهم ، وهم قليل لا